Nombre total de pages vues

dimanche 5 mai 2019

بخصوص ولد أبريد الليل* بقلم: محمد السالك ولد بَهيْت

منذ عدة أيام، أو لنقل بشكل أكثر تحديداً، منذ أن أعلن دعمه للمرشح سيدي محمد ولد بوبكر، يتعرض المثقف والسياسي المخضرم محمد يحظيه ولد أبرد الليل، لحملة تشويه مُبرمجة، وهو ما يتطلب من وجهة نظري، تقديم نوع من الرد. لكن، الهدف هنا ليس الدفاع عن ضحية بحجم شهرة ولد أبريد الليل، فهو على أي حال، يبقى غنيًّا عن أي تدخلات من هذا النوع، مهما كانت وِدية، لأنه في موقع الاقتدار الأكمل للرد بما يكفي، إذا دعت الحاجة إلى ذلك. وإنما نتوخى من هذا الرد أن يتم فقط وضع الأمور في سياقها المناسب.


ولعل ما يؤكد صحة ما نحن بصدده هو أن هَذَيان المُتحاملين حاليا على محمد يحظيه، لن يكون له أي تأثير على صلابة سمعة الرجل، لأن هذا البعد هو المستهدف أكثر من خلال الحملة. لكن هيهات، فسيبقى سيلُ السِّباب والتشويه الموجه بشكل مثير للشفقة ضده، مثل فرك تمثال من الرخام بالقطن المنقوع بزيت "آرگان"، ولن يزيده إلا لمعانا وتألُّقًا.
وبوتيرة تقدم القافلة حسب المثل، سينقطع ويختفي ذلك الهذيان، تمامًا مثل الدوافع الانتخابية التي أُطلق خدمةً لأهدافها ضمن إستراتيجية فاشلة للاتصال؛ وسيظل محمد يحظيه واقفًا، عاليَّ الهامة.. سليمًا، معافى، تماما كما ينتصب أبو الهول متحديا عاديات الزمن، وسوء الأحوال الجوية و.. سوء النية.

لكن هذه الحملة، التي تم تخطيطها وتنسيقها بإحكام ضد ولد أبريد الليل، ما تزال تثير شيئا من الغرابة لأكثر من سبب، خاصة بالنظر إلى أن غالبية من شاركوا فيها هم أشخاص يفترض بأنهم لألف سبب وسبب، يخضعون لواجب التحفظ، بل الأصح أن نقول واجب الصمت المُطبق، حتى لا يذكِّروا الآخرين بأنفسهم، وحتى لا يُقيموا الحجة والدليل على الحقيقة التي بات يعرفها الجميع بالفعل، بشأن "تعدد مواهبهم" و"ازدواجية" استخداماتها.

ومهما يكن، فالمواهب شيء ضروري بالتأكيد في مُقام كهذا، لأن النيل من ولد أبريد الليل أو على الأقل خدش فروتة السياسية، باستعمال سكاكين ثانوية مثل أبواق الإعلام الرسمي، وشبيحة المخابرات، التي تنشط على شبكات التواصل الاجتماعي، والعملاء المندسين في صحافة البشمرگة، لا يُجدِي نفعا وليست له فعالية تذكر لتحقيق الهدف. لذا، فقد أصبح من اللازم لإلحاق الضرر بولد أبريد الليل، أولاً أن تتم محاصرته في بعده الحقيقي من أجل تقزيمه. وهذا يعني التصدي لحل مشكلة تلك الصورة بالغة الرمزية، وذلك الوهم البصري الذي يميز هذا الرجل، ويجعل منه شخصية فريدة من نوعها، بكاريزما ومواصفات خاصة للغاية.
كما يتوجب  أيضًا في هذا الصدد، حل المعادلة التي تعطي الحجم الحقيقي لهذه الشخصية، من خلال حساب أبعادها غير القابلة للاختزال،  والمستعصية على إدراك بعض المُسْتَكتَبين ومن يقف في الخلفية وراء أعمالهم المنحطة.

إنها مهمة في غاية الصعوبة، وقد تُعدُّ من جملة الإنجازات العشرة العظمى التي قام بها "هرقل"، بالنظر إلى أن ولد أبريد الليل قامةٌ مرتفعة. فهذا الرجل يعتلي صهوات التأمل في الأشياء، فوق أعالي القمم الشاهقة للتصورات والمفاهيم، التي يتعذر -في الحقيقة الوصول إليها- من خلال مقارباتنا نحن معشر الزواحف التي تدب على أديم الأرض، والتي لا يحكمها سوى قوانين الانتقاء الطبيعي.
لقد قال الفيلسوف "نيتشه" في من هم بمكانته من الرجال: "إن ما نفعله ليس مفهومًا دائمًا، فغالبا ما يكتفي الآخرون حياله بالمدح أو الذم. وكلما ارتفعنا، كلما بدا أننا أصغر بالنسبة لأولئك الذين لا يستطيعون الطيران".

أما على المستوى الذي نوجد نحن فيه، أي هنا على الأرض، حيث يمكننا الوصول إليه، يظل محمد يحظيه نُصبًا معماريا معقدا، حيث تم بناؤه وفقًا للتقنيات القديمة لهندسة الشعوب العالمة، كالآزتيك، والمايا والفراعنة. وقد أضفت عوامل أخرى مثل الفن القوطي، وعبقرية عصر النهضة، ومحبة الحكمة لدى البيظان، على هذا الطِّراز المعماري المتميز، تقاسيم خاصةً،  جعلت منه لغزًا محيِّرا من حيث الإطار المفاهيمي، لكنها منحته في نفس الوقت، صلابة خارقة في قوة البناء، تتحدى "غرز" المطارق، والأزاميل، والأقلام المنقوعة في محابر الجهل والجبن.
لذا، فنحن مطمئنون، بأنها ليست المرة الأولى، ومن المؤكد بأنها لن تكون الأخيرة، التي يتم فيها استهداف ولد أبريد الليل، من قِبَل قنَّاصة ذوي دوافع تهوِي إلى مَظَانِّ الشك والريبة. لكنها كذلك،  لن تكون المرة الأولى، ولا الأخيرة، التي سيخرجُ فيها هذا الرجل سالِمًا من بين مصائد نصبها له أتباع سحَرَة مُبتَدِئون، تدربوا حديثًا على فن الإضرار بالآخرين كمهنة للعيش.

كما يُمكننا أيضًا طمأنة السيد ولد أبريد الليل، بأن الهدف الرئيس من خلال حملات التشويه والسَّب التي يتعرض لها، ليس مجرد شخصه ولا أخلاقه السياسية فحسب، بل المستهدف، وراء هذه الضجة، هو أساسًا موقفه السياسي الشجاع لصالح مرشح التغيير، السيد سيدي محمد ولد بوبكر.
وفي عين السياق، يتنزل هذا الموقف غير الودي بطبيعة الحال، رغم أنه قد يبدو أمرا مشروعا، من جانب خصوم في حالة متقدمة من اليأس، بينما يتعين عليهم أن يُقدموا للناخبين نفس الأسطوانة القديمة المشروخة حتى النخاع، التي دأب المُطبِّلون وأبواق حزب الإتحاد من أجل الجمهورية على اجترارها.

ومن المناسب هنا أن نفهم ردة الفعل السلبي لنظام يحتضر، وقد بدأ قادته في هذيان يتغذى على سيكولوجية الخُواف والاضطهاد القهري. وهي حالة ذهنية متقدمة، أدت إلى تفاقمها -بكل تأكيد- تصريحات ولد أبريد الليل الأخيرة، وما يتمتع به الرجل من مصداقية وقدرة على التبصر، إضافة إلى قدرته في تعبئة أُناسٍ كثيرين، ظلوا مُخلصين له أو مُتضامنين معه، لأسباب عديدة وإن لم تكن بالضرورة أيديولوجيةً.

من جهة أخرى، صحيح بأن من الأفضل أن لا يتكلم المرء أثناء الأكل، لأن ذلك قد يكون مخالفا لقواعد الذوق السليم وحسن المخالطة. لكن الصحيح أيضا وبنفس القدر، هو أن تؤخذ النسبية هنا بعين الاعتبار، لأن شهية رئيس مجلس إدارة، بافتراض وجودها أصلا- رغم أن لدينا أسبابا جدية للشك في ذلك على الأقل بالنسبة للسيد ولد أبريد الليل- لا يمكن أن تقارن بالشهية التي لدى وزرائنا، حيث يرفُلون في الإستمتاع بالمزايا والمنافع المرتبطة ليس فحسب بوظائفهم، وإنما بالمؤسسات والشركات العمومية التابعة لوصاية قطاعاتهم، بشكل لا يخلو في كثير من الأحيان، من سوء تسيير، ناهيك عن السعي في نهاية المطاف، للتخلص من تلك المؤسسات بعد نهبها، ومحو أي آثار قد تُمَكِّن من متابعة ومساءلة المعنيين، وهم يترنحون قبل سقوطهم المحتوم نحو الجحيم.

إذًا، بعد أن قدمتُ هذه التوضيحات، يبقى أن أقول بأن ولد أبريد الليل - كما هو المعروف- لم يكن لديه أي شيء يخفيه. أمَا وقد تسرَّع آخرون في انتقاد مروره كرئيس سابق لمجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الصحي، فما هو المانع من إجراء مراجعة وتدقيق لهذه المؤسسة من أجل معرفة الحقيقة، وتحديد المسؤوليات فيما يتعلق بأي تظلمات قد تبدو مفترضة، وتقديم المسئولين عنها للمساءلة القضائية؟

كما قد تكون هذه الخطوة أيضًا، فرصة للمضي قُدمًا في طريق الشفافية من خلال مراجعة وضعية مؤسسات أخرى مثل سونمكس، والمرحومة ENER و ATTM و SOMAGAZ و SMH والوزارات، وحرس السواحل و MSP ، وكذا بعض الشركات الخاصة التي يجري أحيانا في الإعلام الخلط بينها بشكل خطير مع مؤسسات مملوكة للدولة في نوع من تغييب الحدود الفاصلة بين الأملاك العامة والخاصة.
إن دعم ولد أبريد الليل  لولد ولد بوبكر، إنما ينبع من المنطق السياسي الوحيد الممكن في مثل هذه الظروف. وهو القدرة على المواجهة مرفوع الرأس، دون أي نظرة في مرآة الرؤية الخلفية. ولا شك بأن لهذا الدعم ما يبرره،  لأنه، على عكس العديد من الشخصيات العامة، ليس لدى سيدي محمد ولد بوبكر أي شيء يخفيه، وبالتالي، بإمكانه بكل ثقة أن يقود حملته دون ماكياج ولا مساحيق للتجميل.

ولعل هذا المرشح ينتمي إلى سياق الرجال الذين قال عنهم "جان جاك روسو" في أطروحته "أميل" أو "في التعليم": "الرجل الصادق هو بطبيعته رياضي يحب القتال عاريا، لأنه يحتقر براقع  الزينة التي لم توجد أصلا إلا لإخفاء بعض التشوهات".
أما وقد قِيلَتْ الحقيقة بهذا الشأن.. فيا أقلامَ القيل والقال، تحرَّكي، وسنكون لكِ بالمرصاد.. واللبيب تكفيه الإشارة!

----------------------
* ترجمة محمد السالك ولد إبراهيم
المقال الأصلي منشور بالفرنسية في صحيفة القلم بتاريخ 30 إبريل 2019
"A propos de Ould Breidelleil"/ Par Mohamed Saleck Beheite

lundi 29 avril 2019

تصفح جميع أعداد نشرة الرأي السياسي في موريتانيا
العدد الثالث عشر من نشرة الرأي السياسي- 4 يونيو 2019

العدد الثاني عشر من نشرة الرأي السياسي- فاتح يونيو 2019

العدد الحادي عشر من نشرة الرأي السياسي- 21 مايو 2019

العدد العاشر من نشرة الرأي السياسي- 25 مايو 2019

العدد التاسع من نشرة الرأي السياسي- 21 مايو 2019

العدد الثامن من نشرة الرأي السياسي- 18 مايو 2019

العدد السابع من نشرة الرأي السياسي- 14 مايو 2019

العدد السادس من نشرة الرأي السياسي- 11 مايو 2019

العدد الخامس من نشرة الرأي السياسي- 7 مايو 2019

العدد الرابع من نشرة الرأي السياسي- 4 مايو 2019

العدد الثالث من نشرة الرأي السياسي- 30 إبريل 2019


dimanche 28 avril 2019

الحلقة1 من حديث الرفيق الأستاذ محمد يحظيه ولد أبريد الليل، خلال لقاء جماعة "الرأي السياسي" مع المرشح سيدي محمد ولد بوبكر أنوا كشوط، 16 أبريل 2019

السلام عليكم ورحمة الله..
أولا: أسباب ودوافع الإلتحاق بالمُرشح
أسباب ودوافع إلتحاق جماعة "الرأي السياسي" بالمرشح سيدي محمد ولد بوبكر، هي التي تطرق لها قبلي الأستاذ ممَّد ولد أحمد، ويمكن تلخيصها في ما يلي:
-         الأخ سيدي محمد، شخص يوثق به، وهو من النوع الذي يعبَّر عنه عادة، بـ "شخص مفْلوش مَكْرُ"؛
-         هو شخص على درجة كبيرة من الإطلاع والجاهزية للمسؤولية العليا: يعرف ما هو القانون، ومن يعرف معنى القانون، يحترمه ويحترم خاصة أعلى نص قانوني وهو الدستور؛
-         وهو يعرف ما هي الإدارة وما دورها، لأنه تدرَّج في الإدارة من جميع مستوياتها، حتى صار وزيرا، ومن ثم وزيرا أولا..
-         وهو أيضا يدرك أهمية القرار السياسي، وكيف وأين يؤخذ..
القرار السياسي الحاسم هو الذي يتخذ في مجلس الوزراء وليس في ضوضاء استقبال شعبي أو في الشارع، خلال الزغاريد، وتحت وطأة الحماس.
"آنطوان بينيه"، قد استقال من حكومة "ديغول" لأنه علم بأن قرارا قد اتخذ  خارج مجلس الوزراء ضمن لجنة وزارية.
ولكي يكون القرار صائبا لا بد أن يكون الوزراء على درجة عالية من الكفاءة ، وفي رأيي أن الوزراء الحاليين قد يتمتعون بكفاءة عالية، على الأقل من الناحية الفنية. لكن هذا لا يكفي، إذ لا بد أن يشعروا أنهم شركاء وأنهم مسؤولون حقا. أما إذا كانت مبادرتهم ملجمة، ورأيهم غير مطلوب، بل يخشون الإدلاء به، فإنها ستكون مأساة، لأن الأمور على تعقدها وصعوبتها ستبقى في يد شخص واحد، يتصرف فيها حسب هواه..
هذا هو خراب الدولة: عندما تكون الحقيقة منبوذة، والصراحة مطاردة وغائبة..
عندما عيَّنتْ "كاترين العظمى"، إمبراطورة روسيا في القرن الثامن عشر، وزيرها الأول، زوَّدته بتعليم مكتوب جاء فيه ما نصه "أحبُّ الحقيقة.. وبوسعك أن  تصارحني  بها كاملةً، لا أحب التملق، ولا أنتظره منك.. "
هذه الروح هي التي مكَّنت الإمبراطورة  من الحكم على مدى أربع وثلاثين سنة، حسَّنت خلالها من ظروف "الموجيك" (صغار الفلاحين الروس)، ووسَّعت بها الإمبراطورية نحو الجنوب حتى مشارف  - الحلم القديم لروسيا- البحار الدافئة، كما وطَّنت نفوس الملوك السُّويديين المحاربين على الإبتعاد عن الشواطئ الروسية لبحر البلطيق، في الشمال.


ثانيا: رئاسة العسكريين للدولة
لقد أصبحت رئاسة العسكريين للدولة، بالفعل صيغة ناشزا، بل وربما ضارة لأنها تُخلِّف عند الناس الإنطباع أن النقاش والتشاور والدراسة هي صيغ مرفوضة من حيث المبدأ. وهذا ربما مردُّه إلى الروح التي يتكون عليها العسكريون وهم ملتصقون بأمور تكتيكية، وينظرون إلى كل تنازل وكل تراجع على أنه هزيمة... بينما السيَّاسيون ينظرون إلى نهايات الأمور ومآلاتها، وليس إلى أشكالها فقط.

رئاسة العسكريين تُخَلِّفُ، إضافة إلى ذلك، حوْل البلد هالةً من الريبة والشك وعدم الثقة والأحكام المسبقة من طرف الشركاء الإقتصاديين، وهو ما نحن في غنى عنه.. ففي زمننا هذا، لا يُحصَل على التمويلات إلا بالثقة، والإستثمارات هي المعول عليها في التنمية وتوفير فرص العمل.
والواقع أن الجيش لم يعد يحكم منذ 1991، عندما تقررت التعددية دون مشاورة اللجنة العسكرية الحاكمة آنذاك... فصار من ذلك الوقت إلى حد اليوم، الذي يحكم هو رجل واحد، هو ومن معه، دون مشاركة الجيش، اللهم إذا كان من نمط مشاركة الإدارة... وهو مجال التنفيذ.. أما المشاركة في الحكم فهي المشاركة الإلزامية في صناعة القرار من خلال صيغة مؤسسية، وليست الإستئناس برأي غير ملزم لضابط لمجرد أنه صديق شخصي..
لا شك أن النظام يُوهِم الناسَ أنه يحكم باسم الجيش، ولكن هذا لا يعدو أكثر من عملية إرهاب للمدنيين وإيحاء للعسكريين غير المطلعين، بأنهم شركاء في السلطة..
الشيء المهم هو أن رئاسة العسكريين للدولة أصبحت- في بلد انتشر فيه الوعي وكَثُر فيه المثقفون- صيغة متخلفة.. لا ندري متى طفحت هذه الفكرة من الأذهان إلى الألسنة في الشارع البسيط، ولا شك أنه خلال العشرية الأخيرة التي خاب فيها الكثير من الآمال.
يقول "فيكتور هيغو"- وتعرفون قوة ذهنه وعبقريته: "ليس هنالك شيء أقوى من فكرة حان وقتها".
 هذا لا يعني بالطبع أنه إذا وُجد عسكري متميز، وأتيح له أن يتسيَّس خارج المؤسسة العسكرية، لا يمكنه أن يترأس نتيجة لكفاءته وشعبيته.

ومهما يكن من أمر، فإن المؤسسة العسكرية هي العمود الفقري للدولة، ولا يمكن بحال من الأحوال تهميشها في بلد، يعيش باستمرار، على كف عفريت في وسط مضطرب وأحيانا مخيف.
فقوة هذه المؤسسة هي ضمانة، لا أقول للإستقرار، وإنما لوجود وبقاء البلد نفسه. وأعتقد بأن أي نظام أو أي مشروع نظام، أو أي سيَّاسي لا يوليها التقدير الفائق، ويحيطها بالعناية البالغة، لا يدرك حقيقة الواقع والدولة، والعلاقات الدولية.

إن الدولة بدون ردع لا وجود لها، لأن العلاقات بين الدول ليست مبنية على العدالة والحق. هناك دول كثيرة تتمتع بعدالة داخلية ولكن دولة عادلة مع الدول الأخرى ومنصفة، لم نرها إلا في النوادر.
أما السياسيون فيهددهم باستمرار عدم الواقعية في الموضوع والإلتباس بين أمرين: تصرفات شخصية لعسكري أو عسكري سابق، والمؤسسة العسكرية شبه المقدسة لدى الشعب والنُّخب..
إن اتروتسكي نفسه، على تطرفه الثوري ومبدئيته المفرطة، قبل أن يكون وزير دفاع الإتحاد السوفيتي الناشئ، بعد سِلْم "بريست-ليتوفسك"- هو من قام ببناء الجيش الأحمر، الذي أعطى للدولة الأورو-آسيوية هيبة عظيمة تمتعت بها حوالي قرن من الزمن.


ثالثا: لماذا هذا التلاقي حول المرشح؟
قد يتعجب البعض ويتساءل ما الذي يبرر أو يفسر تلاقي أطراف مشهود لها عادة بالتناقض والتعارض حول المرشح سيدي محمد ولد بوبكر؟
أعتقد بأن الأمر يتلخص في شيئين: طبيعة شخصية المرشح التي تدعو للاطمئنان، وحالة البلد المقلقة.
لو لم يترشح الأخ سيدي محمد، لما أُتيحت فرصة تلاقي هذا التنوع السياسي من حوله، فربما وجد الجميع فيه ذلك الشخص الذي يمكن إعطاؤه الثقة في وضع كالذي نعيشه حاليا، حيث يطمئن الجميع لتوازنه وكفاءته.

أما المسألة الأخرى، فهي أن الجماعات السياسية- على تنوع مشاربها- قد شعرت جديا بخطورة المأزق الذي تمر فيه البلاد، وضرورة تحمل المسؤولية ونكران الذات لتحقيق هذا التلاقي من أجل مواجهة وضع شبه ميئوس منه. إنهم تصرفوا كمن يواجه حريقا شب في البيت، أو شخصا سقط في حالة غيبوبة.. إنه ليس وقت مشاورات ولا مفاوضات ولا طرح شروط مسبقة.. إنه وقت الهرولة نحو عمل خير.. وتلافي البلاد من الضياع..
يقول الجزائريون والسودانيون هذه الأيام، أنهم يريدون ديمقراطية كاملة وصحيحة.. أما بالنسبة لنا نحن في موريتانيا، فالديمقراطية مطلوبة طبعا، لكنها تبقى بمثابة عملية تجميل في حالة بلادنا الآن.. فكأنما نحن أمام كائن لا يستوي على قدميه.. وهو في أمسِّ الحاجة إلى عملية قلب مفتوح.. وغني عن القول بأن إنسانا في حالة غيبوبة لا أحد يفكر له في عملية تجميل..

رابعا: المبادرات الوهمية والبهلوانيات لن تخدع أحدا..
هل يمكن بأي منطق التسليم بالمأساة والمأزق الحاليين، كطريق وكبرنامج للمستقبل؟ هل بالإمكان اعتبار ماض معيب هو المستقبل المنشود؟
إنه تحدٍّ للعقل وتحد للمواطنين، وهو في نهاية المطاف وهمٌ لا يمكن تمريره، ولا يستساغ حتى الدفاع عنه لأيام طويلة.. إنه مجهود ضائع.. وعمل بائس ضد تيار عجيب، تيار الواقع والمستقبل، وهو يشبه إلى حد كبير من يريد أن يُهشِّم بأظافره صخرة صماء.. إنها محاولة عبثية من النمط القديم الذي تخطاه الزمن.. إنه عمل بلا سيَّاق.. ومحض اغترار..
يجب أن لا تخدعنا المبادرات الوهمية.. والتصفيق المفتعل.. إن من يقومون بهذه البهلوانيات هم غير مقتنعين بها أصلا.. بل هم ربما مُرغمون على القيام بها.. ولم نجد شخصا واحدا منهم مقتنعا بها.. هل يمكن تشكيل دولة على أرض الواقع بدون اقتناع؟ إنها عندئذ.. ستكون دولة أشباح..
إن من يُفرَض عليهم الآن الوقوف إلى جانب النظام الحاكم ومشروع إعادة إنتاج نفسه، قلوبهم معنا.. وعند الجد ستكون سُيوفهم معنا أيضا.. تمامًا كما فعلت  قبيلة "إياد" في معركة "ذي قار" بين العرب والفرس قبل أكثر من أربعة عشر قرنا.

خامسا: انتخابات غير عادية:
الإنتخابات القادمة لن تكون انتخابات رئاسية عادية، بل هي بمثابة استفتاء حقيقي  على مصير موريتانيا.
وإذا استفاق النظام من غفلته، وأدرك حقيقة الواقع المحلي الذي لا يتطابق مع تصوراته، وأدرك الظروف المحيطة، وقَبِل ضرورة بل وحتمية إجراء انتخابات نزيهة، فإن النتائج ستكون مُدوِّيةً، وستفتح الباب على مصراعيه أمام الموريتانيين نحو عهد جديد لا سابق لهم به.. وإلَّا، فإن النظام القائم سيكون وحده مسؤولا أمام التاريخ عن الوضع الذي سيخلقه تعنُّتُه غير المبرر..
ومهما يكن من أمر، فإن الإستياء العارم في نفوس المواطنين، وتطلعهم المشروع والمُلِّح نحو انفراج في الحياة التعسة المفروضة عليهم، ووعيهم الفائق، كلُّها عوامل كفيلة بفرض ظروف التغيير.. وتحقيق النَّصر قريبا إن شاء الله..

والسلام عليكم ورحمة الله..


الافتتاحية

بخصوص ولد أبريد الليل* بقلم: محمد السالك ولد بَهيْت

منذ عدة أيام، أو لنقل بشكل أكثر تحديداً، منذ أن أعلن دعمه للمرشح سيدي محمد ولد بوبكر، يتعرض المثقف والسياسي المخضرم محمد يحظيه ولد أب...